الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

679

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

لمسبباتها ، وأن الأعمال الصالحة من توفيق اللّه تعالى ومنته وصدقته على عبده أن أعانه عليها ووفقه لها ، وخلق فيه إرادتها والقدرة عليها ، وحببها إليه وزينها في قلبه ، وكره إليه أضدادها ، ومع هذا فليست ثمنا لجزائه وثوابه ، بل غايتها أن تكون شكرا له تعالى أن قبلها سبحانه ، ولهذا نفى - صلى اللّه عليه وسلم - دخول الجنة بالعمل ردّا على القدرية القائلين بأن الجزاء بمحض الأعمال وثمنا لها ، وأثبت سبحانه وتعالى دخول الجنة بالعمل ردّا على الجبرية الذين لم يجعلوا للأعمال ارتباطا بالجزاء . فتبين أنه لا تنافى بينهما ، إذ توارد النفي والإثبات ليس على معنى واحد ، فالمنفى استحقاقها بمجرد الأعمال ، وكون الأعمال ثمنا وعوضا لها ردّا على القدرية ، والمثبت الدخول بسبب العمل ردّا على الجبرية ، واللّه يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم . وقال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر : يحمل الحديث على أن العمل من حيث هو ، عمل لا يستفيد به العامل دخول الجنة ما لم يكن مقبولا . وإذا كان كذلك فأمر القبول إلى اللّه تعالى ، وإنما يحصل برحمة اللّه لمن يقبل منه ، وعلى هذا : فمعنى قوله ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ « 1 » أي تعملونه من العمل المقبول ، ولا يضر مع هذا أن تكون « الباء » للمصاحبة أو للإلصاق أو للمقابلة ، ولا يلزم من ذلك أن تكون سببية . قال : ثم رأيت النووي جزم بأن ظاهر الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال ، والجمع بينها وبين الحديث : أن التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها . وقبولها إنما هو برحمة اللّه وفضله ، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل ، وهو مراد الحديث ، ويصح أنه دخل بسبب العمل ، وهو من رحمة اللّه تعالى . انتهى . وروى الدّارقطني عن أبي أمامة ، أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « نعم الرجل أنا لشرار أمتي ، فقالوا : فكيف أنت لخيارها ؟ فقال : أما خيارها

--> ( 1 ) سورة النحل : 32 .